سعيد حوي

285

الأساس في التفسير

سورة البقرة كيف يأتي قوله تعالى ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا . . وبهذا استكملت الحجة على اليهود والنصارى ، في زعمهم أن الهداية عندهم و ( أم ) على القول الراجح معادلة للهمزة في ( أتحاجوننا ) ، يعني : أي الأمرين تأتون ؟ المحاجة في الله ، أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء المذكورين ، فإذا حاججتمونا في الله تبين أننا المهتدون ، وإذا ادعيتم أن الهداية محصورة في اليهودية والنصرانية فهذا كذب ، فهل كان هؤلاء المذكورون على يهودية أو نصرانية ؟ ولا يهودية إلا من بعد موسى ، ولا نصرانية إلا من بعد عيسى ، فالهداية إذن هداية الله التي يخص بها من شاء ، الأمر أمره والوحي وحيه ، ثم قال : قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ بل الله أعلم بمن اهتدى ، وأعلم بمن يهدي ، وأعلم بخبر أنبيائه المذكورين ، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى . قال الألوسي : أي لستم أعلم بحال إبراهيم عليه السلام في باب الدين ، بل الله تعالى أعلم بذلك ، وقد أخبر سبحانه بنفي اليهودية والنصرانية عنه ، واحتج على انتفائهما عنه بقوله وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقا ، فحالهم حاله فلم تدعون له ولهم ما نفى الله تعالى ؟ فما ذلك إلا جهل غال ولجاج محض ، ثم قال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ أي : لا أحد أظلم ممن كتم شهادة ثابتة عنده ، واصلة من الله إليه ، وهي شهادته تعالى لإبراهيم بالحنيفية ، أو شهادتهم التي عليهم أن يؤدوها في حق محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشرت به التوراة والإنجيل ، وعلى كل فالآية فيها تعريض بهم ؛ إذ إنهم يعرفون أن محمدا رسول الله ، بشرت به التوراة والإنجيل ، وكان عليهم أن يشهدوا له ويتابعوه فلم يفعلوا فليس أشد في الظلم من هذا ، أن يكتم الشهادة الشهود . عرفوه وأنكروه وظلما * كتمته الشهادة الشهداء . وهم يعرفون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق . . . كانوا على الإسلام لله ، وهم يكتمون هذا ، ويدعون أن هؤلاء كانوا يهودا أو نصارى ، فلا أظلم منهم ، حملهم الله الشهادة فكتموها ، أو شهد الله في كتبهم على أشياء فأنكروا شهادة الله ؛ فمن أظلم منهم ؟ لا أحد وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من تكذيب الرسل ، وكتمان الشهادة ، والدعوة إلى الباطل ، وادعاء الهداية ، وصرف الناس عن الدين الحق ، هذا تهديد ووعيد لأهل الكتاب ، أي : إن الله تعالى لا يترك أمركم سدى ، بل هو محصل لأعمالكم ، محيط بجميع ما تأتون وتذرون ، فيعاقبكم بذلك أشد عقاب . وبنفس الخاتمة التي ختمت بها الفقرة السابقة تختم هذه الفقرة . تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ